كلما ازدادت جرعات الإجرام لاحت تباشير الانفراج، فالأنظمة التي تذبح شعوبها قد أفلست مذ أراقت أول قطرة دم على درب الحرية، والذي يراهن على أنّ الشعوب التي دفعت الفاتورة من حياة أبنائها ودمائهم وأمنهم وقُوتهم وأعراض نسائهم... ممكن أن تتراجع: واهمٌ واهم، فالعودة إلى ما قبل الثورة يعني الموت بكل أشكاله وألوانه، يعني الدمار المعنوي قبل المادي، يعني مزيداً من سحق الكرامات وخنق الحريات... وقد لفت القائد العسكري الثوري الفرنسي (سان جوست) الذي شارك في الثورة الفرنسية لهذا المعنى حين قال: "إن الذين يصنعون نصف ثورة يحفرون قبورهم بأيديهم". ويا ليت الأمر يقف عند قبور الأموات... فقبور الأحياء بانتظار الثائرين؛ حيث فنون التعذيب وَصْفة ناجعة تلقّن الدروس لكل من قال "لا"...
يعلم القاصي والداني، والساكت والثائر، والمتقدم والخائف، والمعتزل والمجاهد، أنه منذ تغلغُل (جمعية الاتحاد والترقي) - العلمانية الفكر اليهودية الولاء- في جسم الدولة منذ أواخر القرن التاسع عشر والفسادُ بجميع أشكاله ينخر في مجتمعاتنا وخاصة في أوساط الطبقة السياسية. ثم ازداد واستشرى، وامتدّ وتمكّن، وتجذّر وعفّن، بعد هزيمة هذه الدولة إثر الحرب العالمية الأولى في القرن الماضي، وتفسَّختْ أطراف الجسم الإسلامي إلى دول متناحرة فاشلة يحكمها الأجنبي عن طريق أشخاص «مِنْ جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا جُثمانهم جثمان إنس وقلوبهم قلوبُ الشياطين» هكذا وصفهم النبي صلّى الله عليه وسلّم...وكان ذلك أثناء سيطرة الاتجاه القومي العلماني على بلاد المسلمين بعد سنوات الانتداب الأجنبي.
وكما استحالت صحراء الجزيرة العربية واحاتٍ مخضرّة... فكذلك اليوم تتمتع أمّتُه بربيعها... ذلك أنها بدأت تتلمس خُطا حبيبها وقدوتها صلّى الله عليه وسلّم من جديد فاكتسبت من ربيعه حُلَلاً وألواناً وأنواراً.
ضاقَتْ فلما استحكمَتْ حلقاتُها
فُرِجَتْ وكنتُ أظنّها لا تُفرَجُ
جاء عام 2011 ليخرق قاعدة السنين الأخيرة، وليتميز بفرادة لم نشهدها منذ عقود، وليستحق بحق وصف: «عام الانفراج»...فلقد استحكمت حلقات الظلم والقمع والاستبداد والفساد السياسي والاقتصادي والاجتماعي والإداري، وأطبقت على رقاب الشعوب التي أتقنت ثقافة الخوف، واعتادت قوانين الطوارئ وما فرضته من كل تلك المظاهر، واستكانت لواقعها عقوداً متلاحقة... فتحملت المهانة باستعباد أنظمتها لها، وباستِباحة الأجنبي لبلادها وخيراتها، وعانت من الفقر والبطالة وتقييد الحريات والسجون بكل عذاباتها... وعاشت الرعب بكل تفاصيله؛ حتى صارت الجدران الصمّاء عدوّها اللدود!!!
فجاء هذا العام ومعه الخير والخِصب والنماء... وحاز عن جدارة لقب الربيع العربي... لكأنما اخضرّت الدنيا بتلك الدماء التي انتفضت لكرامتها وثارت على حالة الاستعباد لغير الله... ثارت على من اعتبروا بلاد المسلمين مزارع آبائهم وأجدادهم، وظنوا أن الشعوب عبيد عندهم، مسخرون لخدمتهم، موقوفون للتسبيح بحمدهم ليل نهار... ثم أزهرت بتهاوي رؤوسٍ حان قِطافها...
مرّ عام كامل على انطلاقة أوّل ثورة اندلعت شرارتُها في بلد عربي مسلم, ذلك هو تونس الذي مرتْ عليه عقود كالحة عصيبة حتى فاجأت الثورة فيه العالمَ كلَّه وتمرّد الشعب التونسي المسلم على الطاغية وألجأه إلى الفرار وتنفَّس (الحرية)، وانحاز بغالبيته إلى الخيار الإسلامي...
ثُمّ كرَّتْ (سُبحة اندلاع الثورات) لأن نعمة (الحرية) لتونس فتحَتْ شهية الشعوب الأخرى لها... وهكذا كان العام الماضي بحقّ (بارقةَ أمل) و(نقطة تحوُّل واعدة) في خط سير أمتنا العظيمة الحبيبة بعد حُقبة طويلة من الظلم والتخلّف والقهر والاستعباد اشتدّ اسودادُها وطال أمدُها... فماذا حصدنا بعد عام كامل؟
لا شك أن الثورات التي تتابعتْ منذ أوائل العام الحالي في خمسة بلدان عربية هي ثوراتٌ مهمة: إنْ في ثِقَلها السياسي والجغرافي والسكاني - تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا- أو في نجاحها في قلع ثلاثة طغاة (بِنْ علي وحسني والقذافي) وعلى الطريق إن شاء الله يُقلَع طاغِيَتا اليمن وسوريا... وقد فاجأت الجميع... فاجأت الشعوب كما فاجأتْ الحكام أنفسَهم وفاجأتْ الدول الكبرى والدولة اليهودية المغتَصِبة!!! وبهذه الثورات ونتائجها الأولى فَرِحت الشعوب ولكن بدأت المؤامرات!!
"رأيتُ أولادي اليتامى يموتون واحداً بعد الآخر ولم أستطع مساعدتهم..."!*
لم يكن ما تقدم مشهداً من فيلم درامي حزين... إنه عيِّنة من قصة حقيقية تحدث كل يوم في جزء من هذا العالم... قصة تحكي مصيبة بتول حسن؛ المرأة الصومالية التي فقدت خمسة من أبنائها الثمانية بسبب الجوع والمرض وهي في طريق رحلتها هرباً من المجاعة!!! عبد الله وحسن ومحمود وفارح ويوسف، أطفالها الخمسة الذين عاشوا أيتاماً وماتوا جائعين... تاركين أمّاً ثَكْلى تجتهد في إنقاذ من بقي لها من أبناء...
أجل، ففي الصومال معاناة إنسانية كبرى تلخص حكاية ظلم الإنسان للإنسان، وتدلل على نتيجة من نتائج البُعد عن تطبيق منهج الله.
كل من يتتبّع الثورات التي بدأتْ في تونس ثم مصر واليمن وليبيا ثم سوريا يلتقط بسرعةٍ فائقة العلامة الفارقة ـ هذه المرة في زمن هذه الثورات وبطريقة مدهشة ـ التي شكَّلَتْها مشاركة المسلمات العظيمات الحرائر في التحريض والتشجيع والتثبيت والفداء، وفي مواقف من البطولة والثبات التي قد يهرُبُ فيها رجالٌ أشدّاء! كما يلتقط أيضاً وبنفس السرعة بإعجاب واعتزاز ما أظهرَتْه العديد من الشابّات من ثقافةٍ واسعة واعتزازٍ بالهُوِّية الإسلامية مع وعيٍ سياسي وصلابة لافتة في مواجهة الطغاة والإصرار على المطالبة بتنحِيَتِهم ومحاكمتهم...
لطالما تحدث الخبراء عن حاجة الإنسان اليوم إلى التنمية البشرية والاجتماعية والاقتصادية... لكي يحقق السعادة؛ ووُضعت لذلك نظريات، وانشغلت به مراكز البحوث، وأُقيمت دورات تدريبية... ورغم كل التقدم الذي حصل في هذا المجال بقيت في جهود التنمية على المستوى الإنساني حلقة مفقودة لم تُعط حقها بعدُ من البحث لكي تكتمل السلسلة... إنها التنمية الروحية.
لقد أحدث إنسان العصر الحديث ثورةً في المعلومات والاتصالات والابتكارات... وخَبر مختلف أنواع المُتع "المادية"... ورغم ذلك لم يمَلّ من ترداد السؤال نفسه: أين أجد السعادة؟!
غير أن هذا الإنسان عندما قام بثورة الماديات وتعمَّد إخماد حضور الروح في خطة حياته، لم يدُر في خلده أنه بذلك يقضي على مقوِّمات هذه الحياة، وعلى صلاحية وجوده في هذا الكون.
ورُب سائل يسأل: كيف ذلك وقد بلغ ما بلغ من رفاه العيش بتألقه في عالم المادة؟
ها هو رمضان يُطل علينا هذا العام... عام الثورات التي اشتعلت في أكثر من بلد عربي ولا تزال مشتعلة في بلدان عدة والمسلمون ينتظرون بصبر لوصول القطار... قطار التغيير... إلى محطته الأخيرة. وبما أن رمضان نفسَه (ثورة) - وهو التعبير الذي استعمله الأديب الكبير فارس القلم مصطفى صادق الرافعي صاحب الكتاب الفذ «وحي القلم» في إحدى مقالاته الرائعة فيه المُعَنْوَنة (شهرٌ للثورة... فلسفة الصيام) - فلا بد أن تتحقق فينا (معاني الثورة) أولاً قبل أن ننتظر تحقّق (أهداف الثورات) في كل بلداننا في الجوانب السياسية والاجتماعية.
مع الأحداث الضخمة التي تشهدها العديد من البلاد العربية باندلاع الثورات منذ ابتداء هذا العام الجاري (2011م) التي ابتدأت من تونس بعد حادثة اشتعال النار في جسد (محمد البوعزيزي) رحمه الله، ثم امتداد شُعلة نار الثورات إلى مِصْر وليبيا فاليمن فسوريا... انقسم العلماء إلى ثلاث طوائف:
ربما يعلم المجتمع الدولي، والنظام السياسي العربي الصامت،المتفرج على مايجري من مذابح في المنطقة العربي، ومعهما فئات من هذه الشعوب المتواطئة مع الأنظمة المجرمة بالصمت والترقب و"انتهاز الفرص"، ربما يعلمون أنهم وجميعاً سيدفعون الثمن غاليا جداً، وفي القريب العاجل، وقد مَنحوا الجزارين فرصة مفتوحة لقمع الثورة بارتكاب الفظائع والتهجير على الطريقة الإسرائيلية .
لـطالما كان البُعد الأخلاقي ولا يزال مقياس نهوض وسقوط الأمم ومؤشر صعود وانهيار الحضارات. فالأمة التي تنحدر فيها الأخلاق تفقد مشروعية وجودها مهما أخذت بأسباب المدنية.
يدل على ذلك واقع العرب في الجاهلية، حيث جاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ومنظومة القيم عندهم قد انفرط عِقْدها... فكانت مهمة رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك الفترة أن يؤسس لقواعد أخلاقية تحكم الجماعة الوليدة التي خرجت من رحم ذلك المجتمع، وهنا نفهم مقصد الرسول حين جعل "الأخلاق" عُنواناً لبعثته: "إنما بُعثتُ لأتمم مكارم الأخلاق" رواه أحمد.
تضافَرَتْ كل المؤشرات في السنوات الأخيرة وبعد عهود طويلة مُظلمة مرت على بلاد المسلمين عموماً والبلاد العربية خصوصاً... عهود تفاقَمَ فيها الظلم واستبدّ فيها الطغيان وارتفعت معدّلات التخلُّف إلى نِسبٍ مُخيفة، وكان تقرير التنمية الإنسانية أوائل عام 2010 عن عام 2009 خطيراً للغاية في شقه الذي يتعلق بالعالم العربي.. تضافرَتْ للتأكيد على أن انفجاراً ما سيحصُل ولكن لم يكن أحد يستطيع أن يحدّد أين؟ وكيف؟
تحت ذريعة الدفاع عن حقوق المرأة وحمايتها وتحريرها... دأبت الأمم المتحدة وملحقاتها من اللجان المتخصصة على وضع مشاريع وإصدار قوانين خاصة بالمرأة وكل ما يتصل بها. وإذا نظرنا
أستاذ فاضل أكن له احتراماً كبيراً، سألني بين العتب واللوم: هل فهم الناس الدين فجأة..؟
وكان يقصد أنه إذا كان الأمر صحيحاً كما أقول أن الفهم السلبي –السائد- المدعوم من قبل المؤسسة الدينية التقليدية قد روّض الناس على تقبُّل الظلم والطغيان- فكيف اشتعلت هذه الثورات إذن؟.. هل فهم الناس الدين فجأة؟..
نحن نعرف معنى الهروب إلى الخلف، وهو كثيراً ما يتجسد في الفرار من أمام العدو، ولا نلقي بالاً في أحيان كثيرة لشيء يمكن أن نسميه (الهروب إلى الأمام)، مع أنه يؤدي دوراً مهماً في تضليل الناس لأنفسهم ولغيرهم.
أنا لا أريد هنا أن أتحدث عن الهروب إلى الأمام حين يشكِّل مخرجاً ممتازاً للخلاص من حالة ميئوس منها، كما يفعل المحاصَر الذي ينتظر الموت حين يهاجم عدوه، وإنما أودّ أن أتحدث عن الهروب إلى الأمام بوصفه حالة مَرَضية مؤذية
"كنزة دريدر"، مواطنة فرنسية محترمة، وأمٌّ لأربعة أطفال، قررت مغادرة منزلها اليوم، عازمةً على ارتكاب جريمة!
إذا التقت برجال الشرطة، سيحذرونها، وربما يصطحبونها إلى المخفر المحلي، وقد تواجه عقوبة الغرامة، أو يُفتَح لها سجل جنائي.. لا يُرجَّح أن ينتهي بها المطاف في السجن، لكن من يدري؟ إنها مخاطرة قررت "كنزة" خوضها. لقد قررت فقط أن تقوم بما تراه واجباً..
قبل حوالَيْ ثلاثة أشهر لو تكلم أحد الناس في عالمنا العربي والإسلامي بأنه رأى فيالمنـام أن الطاغية المجرم (رئيس مصـر) آنئذٍ – مثلاً - أُزيح عن كرسيّ رئاسةالدولة، وصار قابعاً في السجن! ويُلاحَق من الشعب طلباً لمحاكمته على الجرائم التي ارتكبها والأموال الطائلة التي سرقها من خزينة الدولة ومن دماء شعب مصر الأبيّ الذي يئنّ ملايين منه من شدة وطأة الفقر وكثير منهم لا يجدون إلا المقابر مع الأموات ليُمضوا لياليهم الكالحة فيها!
لقد انطلقت الصحوة الإسلامية المعاصرة بعدما هُزمتْ الدولة العثمانية وأُسقطتْ الخلافة التي كانت تمثّل وحدة المسلمين سياسياً... مع كل الجهود الصادقة المخلصة التي بذلها السلطان العادل الغيور على الأمة والشريعة (عبد الحميد الثاني)لإيقاف تداعيها وسقوطها وصدّه الهجمات والمؤامرات ضدها...
انطلقت هذه الصحوة من مصر وتركيا وباكستان والهند، ثم تمدَّدت من مصر إلى سائر البلدان العربية مصوِّبةً نحو هدف (استئناف الحياة الإسلامية من جديد) بعد نشر الوعي في الأمة والأخذ بأسباب النهوض وبذل جهود التربية والبناء... وكان يتقدمها أمثال البنّا والنُّورْسي والمودودي والنَّبْهاني والنَّدْوي وسيد قطب رحمهم الله جميعاً ورضي عنهم وأجزل ثوابهم مع جمهرة من علماء الشريعة الموثوقين الصادقين الأحرار في مختلف بلاد المسلمين
قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "يوشك أن تداعى عليكم الأمم من كل أفق كما تداعى الأكَلة على قصعتها" قلنا: يا رسول الله أَمِن قِلّة بنا يومئذ؟ قال: "أنتم يومئذ كثير ولكن تكونون غثاءً كغثاء السيل..." رواه أحمد وأبو داود، وهو صلى الله عليه وسلم القائل: "تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون مُلكًا عاضّاً، فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها، ثم تكون مُلكًا جبرية، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، ثم سكت" رواه أحمد.
الأكثر تعليقا