كيف تنتقد الآخر وتكسب محبته

 

إن مثل الكلمة الطيبة كما وصفها الله تعالى في القرآن الكريم كالشجرة الطيبة أصلها ثابت وفرعها
في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها. ومثل الكلمة الخبيثة كالشجرة الخبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار. وقياساً على ذلك فإن كملة النقد البناء والنصيحة الصادقة كالشجرة الطيبة تعود على من يقبلها بالخير والنفع والفائدة، وكلمة النقد غير البناء كالشجرة الخبيثة لا خير فيها ولا فائدة.

   إن الله الذي خلق الإنسان في أحسن تقويم جعل في جسده قلباً، إذا صلح صلح الجسد كله، وإذا فسد فسد الجسد كله، كما جعل في فمه لساناً إذا نطق صاحبه خيراً أدخله الله الجنة وإذا نطق شراً أكبّه حصاد لسانه في النار والإنسان قد خلق اجتماعياً بالفطرة يألف ويؤلف لذلك فلا يستطيع أن يؤدي رسالته في الحياة دون اختلاطه واتصاله ببني البشر والناس.

   ومن أهم الأمور التي تساعد الإنسان على تحقيق رسالته ودوره بنجاح وفلاح, التحلي بالعلم الصحيح والأخلاق الفاضلة والصفات الحسنة والأعمال الصالحة.

   كما أنّ للكلمات الرقيقة الطيبة والثناء الحسن عند مخاطبة الآخرين أثرها الكبير في نفوس وقلوب الآخرين بحيث يشعر الجميع بالراحة والمحبة والود والإيجابية والله تعالى قد جبل النفوس على حب من أحسن إليها وبغض من أساء لها وآلمها.

   قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الدين النصيحة. قلنا لمن؟ قال لله ولرسوله ولائمة المسلمين وعامتهم.

   وقال الشاعر:

   إذا بلـغ الرأي المشورة فـاستعـن                 برأي نصيح أو نصيحة مرشد
  ولا تجعل الشورى عليك غضاضةً              فإن الخوافـي قـوة للقـوادم

   والنصيحة بدورها طعمها مرٌ عند البعض، وقد تنقلب إلى مشكلة إذا أسيء استخدامها. والنقد والانتقاد سيف ذو حدين قد تصلح بها الآخرين وتقوّم بها اعوجاجهم وتسدد أقوالهم وأفعالهم وفي الوقت نفسه تكون أداة هدامة قد تقطع أواصر المحبة وتنزع الثقة وتثير المشاحنات والخصومات وربما يمتد ذلك ليحدث أزمة بين الأفراد أو الجماعات وأبناء الوطن الواحد.

   غير أن الإنسان العاقل الراشد والحكيم يقبل انتقاد ونصيحة الآخرين بروح طيبة لا سيما إذا اقتنع في نفسه بصوابية هذا الانتقاد ومصلحته المدعم بالأدلة والبراهين المنطقية الدافعة وأما المكابرة بعدم قبولها لاعتبارات خاصة عنده فهو إنسان جاهل ورحم الله خليفة المسلمين عمر بن الخطاب الذي كان يقول: من رأى فيّ اعوجاجاً فليقومه، ورحم الله أمرئ أهداني عيوبي. ومن أسوء أنواع النقد، النقد العلني الذي يسبب الإحراج للآخرين ويشعرهم بالمهانة فالرسول صلى الله عليه وسلم كان إذا وجد خطأ ما يصعد إلى المنبر ويقول:

 

   "ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا" فلا يصرح بالأسماء لعلمه صلى الله عليه وسلم أن ذكر أسماء المخطئين فيه خطورة على قلوبهم ونفوسهم. لذلك فإن السرية في النقد من شأنه أن يكون فعالاً بحيث يشعر فيه الطرف الآخر المنتقد بالأمن والثقة وحسن النية.

 

   ويقول الإمام الشافعي رضي الله عنه:

   تعمدني بنصحك فـي انفراد           وجنبني النصيحة في جماعـة
   فإن النصح بـين الناس نوع          من التقريع لا أرضى استماعه   
   وإن خالفتني وعصيت قولـي         فـلا تجـزع إذا لم تعط طاعة

 

   ومن هنا يجدر بالناقد تحري الأسلوب الأقوم والتعبير اللين الأكرم المزين بالحكمة والموعظة الحسنة في إسداء النصيحة على انفراد فإن ذلك أوقع في النفس وأحوط من دخول الشيطان إليه وصدق الإمام علي رضي الله عنه حين قال: "النصح بين الملأ تقريع".

 

من هنا فإن النقد البناء والفعال هو النقد الطيب اللين الذي يخلو من التشهير والتنكيل بالأفراد والجماعات فكسب القلوب ومحبتهم أهم وأفضل من كسب المواقف وتسجيل نقاط انتصار على الآخر والظهور بمظهر التفوق والأفضلية. وخاصة عند الذين يفتقدون ويقولون إنهم لا يخطئون أبداً في قولهم وهذا هو أول غلطاتهم وأخطائهم كما يقول الشاعر:

   من قال لا أغلط في أمرٍ جرى          فهذه أول غلطة ترى

   والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون. ويقول أحد الحكماء: ليس من العار أن تخطئ وإنما العار أن تعرف خطأك وتستمر عليه فمن هذا المنطق إذن فإن قبول النقد والنصيحة واجبة، على المعلمين والمربين والمسؤولين والأهل والدعاة بهدف الوصول إلى الكمال والأفضل ولكي نجعل الشخص يقبل انتقادنا. وعلينا أن نذكر الحسنات والإيجابيات قبل ذكر السلبيات كذلك يجب أن نعرف متى وكيف ننتقد وقديماً قيل الحكمة هي: فعل ما ينبغي، كما ينبغي، في الوقت الذي ينبغي، وأنا أقول رحم الله من سكت فسلم أو قال فغنم.