شجرة البرتقال

استيقظت (رفيف) من نومها وراحت تنظر من نافذة شرفتها إلى حديقتهم الجميلة فرأت أن (عفيفاً) قد سبقها إليها فنادت عليه:
• ماذا تفعل يا عفيف؟ ولماذا استيقظت باكراً؟
- ألم تري ماذا أفعل؟ إني أقلِم أوراق الشجر كما يفعل والدنا ولكنه اليوم مشغول فأحببت أن أقوم بهذا العمل عنه.
• بارك الله فيك يا أخي، وأنا سأنزل لمساعدتك. ولكنني أراك تلبس ملابس الخروج!
- نعم، علمت بأنّ جارنا يريدنا أن نقطع شجرة البرتقال، فأردت الذهاب إليه لأسأله عن السبب.
• صعقت (رفيف) من هذا الكلام وقالت لعفيف: شجرة البرتقال لن نقطعها من حديقتنا مهما حصل، وليعلم جارنا أن هذه الشجرة قد أكل منها أجدادنا ونحن ما زلنا نأكل منها وستظلّ تطعم الأجيال من بعدنا بإذن الله تعالى.
- طرق (عفيف) باب منزل جارهم ثلاث طرقات متباعدات ثم مكث ينتظر، وما إن ظهر جارهم من خلف الباب حتى طرح عليه السلام ثم قال له: جئت يا عم أكلّمك بخصوص شجرتنا التي طالبت بقطعها.
 إن شجرتكم شاخت وتقدمت في السن، وفي الأسبوع الماضي وقعت حبة برتقال على رأس ولدي الصغير فآذته، لذا لن أسمح لفروع شجرتكم أن تمتدّ إلى حديقتي لتزعجني... سأقطع هذه الشجرة من جذورها...
- ولكن يا سيد (فريد)... سنعمل على تهذيب أغصانها وفروعها على النحو الذي لا يزعجك بعد الآن.
 أخذت قراري ولن أتراجع عنه.
- رجع (عفيف) إلى المنزل فاستقبلته (رفيف) وعلمت من ملامح وجهه أن قرار جارهم (فريد) لا عودة له عنه... فبادرته بالسؤال:
• هل ما زال مصرّاً؟
- نعم، ولكننا لن نسمح له بتنفيذ قراره بل سنواجهه، والله سيكون معنا.
وفي اليوم التالي، استيقظ عفيف كعادته باكراً وذهب إلى الحديقة وجلس تحت شجرة العائلة، كما سماها أجداده، وأخذ يمسح على جذع الشجرة بحنان ورفق ويطلب من الله تعالى أن يمدّ بعمرها...
وفي هذه الأثناء نزلت عدة قطرات على رأسه فتعجّب من ذلك لأنهم في فصل الصيف والسماء صافية والشمس مشرقة ساطعة!
فنادى لأخته (رفيف) التي جاءته مسرعة، فقال لها:
- انظري يا رفيف لقد سقطت بضع قطرات من الماء على رأسي من أعلى الشجرة...
• عفيف، اسمع إن للشجرة أنيناً! ما بها يا ترى؟
• فنادتهما الشجرة قائلة بصوت يشبه النشيج: إنها دموعي والأنين هو صوتي...
- فتعجّب (عفيف) وسألها: ولماذا تبكبن؟
• قالت له: لأني سأرحل عنكم غداً نزولاً عند رغبة جاركم... أنا التي ظلَلت أجدادكم وآباءكم وها أنا اليوم أظلِلكم، والأجيال تلذّذت بشرابي سنين طوالاً... كم تسلّقتم فروعي وأغصاني واختبأتم ورائي وأنتم تلعبون... وها أنتم اليوم عندما تقدمت بي السن تريدون التخلص مني وتحوّلونني إلى حطبﹴ لإشعال ناركم.
- فتكلم عفيف ورفيف معاً: ومن قال بأننا سنسمح لأحد أن يمسّك بسوء؟ لقد قررنا الوقوف في وجه كل من يريد قطعك... ولا تحزني، بل يحق لك أن تفرحي لأنك لا زلت واقفة بشموخ طوال هذه السنين ولم تنحني لأية عاصفة ولم تستطع الرياح اقتلاعك من جذورك لأنك راسخة ثابتة تؤدِين مهمتك بإخلاص... إنك يا شجرتنا الزينة التي تتمتع أعيننا بالنظر إليها، وإنك الواحة الجميلة التي نستظل بظلها، وإنّ عطر برتقالك يطيب لنا ونحن نتفيّأ الظلال... فلا تجزعي...
ومكث الطفلان يدعوان الله تعالى أن يديم عليهم هذه النعمة ويمتّعهم بها... وكلهم يقين بأن الله سيستجيب دعاءهم.
ثم دخلا المنزل وبادرا أباهما بالسؤال:
- أبي هل ستستجيب لطلب العمّ (فريد) وتقطع الشجرة؟
 يا أحبّائي، أنا في حيرة من أمري، فإني لا أريد أن أزعج جيراننا وفي الوقت نفسه يعزّ عليّ أن أفارق شجرة الآباء والأجداد.
- قال عفيف: أبي لقد اقترحت على العمّ (فريد) أن نقلّم أغصانها ونهذّب فروعها فلم يرض وأصرّ على التخلّص منها!!
 مهلاً، اهتديت الآن لحلٍ لعلّه يرضي جارنا.
- صرخ الطفلان بصوت واحد: وما هو يا أبي يرحمك الله؟
 منذ مدة تناهى إلى مسامعي أن العمّ (فريد) برغب في الانتقال للعيش في مكانﹴ آخر إلا أنه لم يجد المشتري لمنزله الذي يقطنه حالياً، لذا فسأعرض عليه أن نشتري بيته ونضمه إلى شقّتنا، وبذلك يستطيع السكن في أيّ مكانﹴ يعجبه حيث لا أشجار تزعجه، مع أنه لو يصدّق بأنّ لوجود النباتات والأشجار بين المنازل فوائد جمّة لوفّر علينا وعلى نفسه. فما رأيكما؟
- عظيم عظيم جداً، لم لا تذهب إليه الآن يا أبي؟
 صبراً، فالوقت قد تأخّر ولا يحسن بنا أن نزعج الجيران، فلننتظر حتى الصباح.
- تهلّل وجه العم (فريد) عندما سمع عرض جاره أبي عفيف... وتمّت الصفقة بينهما، وبهذا توسّعت دار أبي عفيف وامتدّت حديقته، وزادت فرحة عفيف ورفيف بهذا البستان الكبير الذي رزقهم الله إياه، وبقيت شجرة البرتقال ترخي بظلالها على هذا المنزل المبارك.