الألوان وأثرها على النفس الإنسانية

 
أثبت علم النفس المعاصر أثر انعكاس اللون على النفس البشرية، ومدى تأثيره على تهيؤ النفس للانفعال، حيث إن للانفعال، في أغلب الأحوال مظهراً داخلياً معنوياً يعمل على تبسيط الكيان العضوي، ويجعله في حالة التهيؤ. واستنبط علماء النفس من جراء ذلك علماً جديداً، أطلق عليه "علم نفس الألوان" يدرسون من خلاله خصائص النفس البشرية.
وكان للأبحاث التي قام بها علماء النفس أهمية بالغة في تأكيد انعكاس اللون على النواحي الفسيولوجية، ومن هذه الأبحاث ما لاحظه CANON من تغيُرات في اضطراب الغاضب والخائف كسرعة ضربات القلب واضطراب التنفس وازدياد إفراز بعض الغدد، وبخاصة الغدة النخامية والغدة الدرقية والغدد العرقية.
وأدّت هذه الأهمية إلى تنافس الشركات الصناعية على توليد ألوان جديدة فرحة من مزج بعض الألوان الرئيسية التي تتفاعل مع النفس سمواً في الإحساس ورقيّاً في المدارك، وبهجة للنفس انجذاباً نحو الجمال والذوبان في رحاب الألق والأناقة، حيث غدا اللون عنصراً مروِجاً لكثير من السلع، وبخاصة في مجال الأقمشة والسيارات: بعدما تبيّن أن لكل لونﹴ وقعاً معيناً على النفس، فالألوان الهادئة تولِد حالة من الهدوء، وتعطي الألوان الشاحبة والخفيفة انطباعاً هادئاً وحيوياً، في حين أن الألوان الحارة تبعث الحرارة وقوة العاطفة في النفس، وتجذب الانتباه. ولأهمية اللون وأثره على النفس الإنسانية وضع علماء النفس "استمارة الألوان لدراسة النفس البشرية، فهناك – مثلاً – الألوان التي ترمز إلى السعادة، وأخرى إلى الطهارة، والكرامة والقوة، والاستقلال، والذوق الرفيع، والحزن والإثارة...
وقد أشار القرآن الكريم إلى أثر اللون على النفس، بقوله تعالى في وصف البقرة التي أمر بنو إسرائيل بذبحها:﴿إنها بقرة صفراء فاقعٌ لونها تسرُ الناظرين﴾.
فسرور الناظرين لا يتم إلا أن تقع أبصارهم على فراهة اللون وحيويته والتماعه. وإذا كان اللون الأبيض في عرف علم النفس، رمزاً للطهارة والنظافة والبراءة، فإنه يطلق على صافي القلب والسريرة صفة "أبيض القلب"، والممرضات يرتدين الأثواب البيض للإيحاء للمريض الذي يعاني من الألم والمرض بالراحة النفسية.
ولقد وصف القرآن الكريم المؤمنين الفائزين برضوان الله تعالى بأنهم بيض الوجوه لقوله تعالى:﴿وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خالدون﴾[آل عمران:107].
وإذا كان البياض لون الحياة لأن النهار يبدأ به، وينتهي به، وهو لون السعادة، فإن رسولنا الكريم ﷺ أقرّنا أن نلبس البياض لنتفاءل بالحياة ونكون من صنّاعها، وأن نكفّن موتانا بالبياض، ( اللون التبشيري)، لأن الموتى الموحِدين بالله تعالى مبشَرون بالجنة، فعن سمرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم:"البسوا البياض فإنها أطهر وأطيب، وكفنوا فيها موتاكم". والبياض ( في الأصل) هو لباس الحداد في الإسلام ليطمئن أهل الفقيد أن المسلم الذي انتقل إلى الدار الآخرة فاز بالجنة إذا شاء الله. في حين أن النفس الإنسانية تشمئز من اللون الأسود، لأنه في عرف علم النفس، يوحي بالاكتئاب والنشاطات الإجرامية والموت، فالملابس السود هي ملابس الحداد في بلاد الغرب الذين يبكون موتاهم لوعة على فراقهم، واللون الأسود يرمز إلى الأشياء القبيحة المزعجة. ولهذا يطلق على السوق التي انصرف فيها بعض التجار الجشعين المحتكرين إلى بيع السلع الضرورية بأسعار مرتفعة فاحشة "السوق السوداء".
ويطلق على الإنسان الخبيث النوايا لقب صاحب النوايا السود. وقد رمز القرآن الكريم باللون الأسود إلى حال الكافرين الخاسرين يوم القيامة، حيث يقول تعالى:﴿يوم تبيضُ وجوه وتسودُ وجوه فأما الذين اسودّت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون﴾[آل عمران: 106].
وتبتهج النفس الإنسانية عندما تنظر إلى اللون الأخضر، لأنه رمز الرجاء والأمل، ذلك أن فصل الربيع يعيد كل سنة ولادة تلك الألوان الخضر التي تبشر بعودة الحياة والجمال. لذلك كانت راية الإسلام خضراء للدلالة على أن الإسلام هو رمز خلاص الإنسانية من العبودية إلى التوحيد. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلّم يرتدي الأثواب الخضر. فعن رفاعة التميمي رضي الله عنه أنه قال:( رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلّم مرَ وعليه ثوبان أخضران) رواه أبو داود.
والأخضر لباس أهل الجنة ليبشر أهل الجنة بعودة الحياة الطيبة الهنية والفوز برضوان الله تعالى الأبدي، قال تعالى واصفاً لباس أهل الجنة:﴿ويلبسون ثياباً خضراً من سندس وإستبرق﴾[الكهف: 31]. وكذلك أرواح الشّهداء في حواصل طيور خضر تسرح في الجنة..." رواه مسلم.
ويعلن الضوء الأخضر أن الطريق أمامك سالكة لا عقبات ولا حواجز فيها، وإذا كان اللون الأخضر لون الجمال، فإن اللون الأصفر في عرف علم النفس لون ملحوظ يلفت الانتباه. وهو من أجل ذلك اعتمد في حال السلامة والأمان، فنراه في الملابس الخارجية التي يرتديها العاملون في الطرقات وشتى الخطوط الصُفر التي تفصل أقسام الطرق وتحدد مجالات السير، وتمنع التجاوز في الأماكن الخطرة كما نراه في المصابيح الكاشفة التي تستنير بها السيارات والدراجات النارية.
واللون الأصفر هو الأكثر طراوة وانسجاماً بين الألوان، لأنه يجذب الرؤية للعين، ويخفف من التوتر، ويعتبر أكثر الألوان المبهجة والمؤثرة على النفس البشرية، وأوضح ذلك القرآن الكريم بقوله تعالى:﴿صفراء فاقع لونها تسر الناظرين﴾[البقرة: 69]. أي إن لونها يسرُ النفس الإنسانية ويبهجها.
وللون الأحمر في عرف علم النفس، قيمة رمزية فهو يرمز إلى الدم، لذا أكثر اعتماده في أعلام عدد كبير من الدول، وهو لون مثير يجذب الانتباه، فطليت به سيارات الإطفاء والإشارة الضوئية الحمراء تعني الوقوف وتفرض جانب الحيطة والحذر أمام الحواجز الحمر.
وإذا كان اللون الأحمر يرمز إلى السرعة وأنه يحرك الإنسان لأخذ قرارات سريعة ويزيد في التوقعات، فقد ارتدى رسول الله صلى الله عليه وسلّم الثوب احمر فعن البراء بن عازب رضي الله عنه قال:"كان رسول الله صلى الله عليه وسلّم مربوعاً، ولقد رأيته في حلّة حمراء ما رأيت شيئاً قط أحسن منه" متفق عليه. لأن اللون الأحمر يعكس بهجة النفس وصفاءها وحيويتها، والرسول صلى الله عليه وسلّم لبس الأحمر لبيان جواز لبسه. ونرتدي الثياب ذات الألوان الحمر لنعكس بهجة نفوسنا وصفائها ونعتاد على اتخاذ القرارات السريعة التي تكون حلاً للمشكلات التي تعترضنا.
إن الحديث عن الألوان وأثرها على النفس البشرية يطول، ويكفي أن نذكر التأثير النفسي لبعض الألوان لتساعد من يريد معرفة خصائص نفسيته أو نفسية الآخرين.
البرتقالي: هو لون الدفء والخريف من يحب أن يلبس هذا اللون فهو ذو شخصية قوية، ويعتبر هذا اللون جذاباً نحو ذاته.
الأزرق: يشير ويرمز إلى الحياة والوحدة والحزن والثقة بالنفس.
الموف ( الليلكي الغامق): يرمز إلى الغنى والملكية والقوة والإحساس وهو أيضاً يعبّر عن الود والمحبة.
البني: لون يساعد في جمع المعلومات وإبداع بيئة محايدة للنقاش المفتوح، ويشير إلى الثبات والاستقرار.